ابن قيم الجوزية
503
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
والخارجي ، فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما في الواقع . ومنها : شهادة مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ومليكها ، وأنه وحده إلهها ومعبودها . ومنها : ظهور أثر كماله المقدس ، فإن الخلق والصّنع لازم كماله ، فإنه حي قدير ، ومن كان كذلك لم يكن إلا فاعلا مختارا . ومنها : أن يظهر أثر حكمته في المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي يليق به ومحبته على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بحسنه ، فتشهد حكمته الباهرة . ومنها : أنه سبحانه يحب أن يجود وينعم ويعفو ويغفر ويسامح ، ولا بد من لوازم ذلك خلقا وشرعا . ومنها : أنه يحب أن يثنى عليه ، ويمدح ويمجّد ويسبّح ويعظّم . ومنها : كثرة شواهد ربوبيته ووحدانيته وإلهيته إلى غير ذلك من الحكم التي تضمّنها الخلق ، فخلق مخلوقاته بسبب الحق ولأجل الحق ، وخلقها ملتبس بالحق ، وهو في نفسه حق ، فمصدره حقّ ، وغايته حق ، وهو يتضمن للحق ، وقد أثنى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ولا لغاية ، فقال تعالى : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ ( 191 ) [ آل عمران ] وأخبر أن هذا ظن أعدائه ، لا ظنّ أوليائه ، فقال وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ( 27 ) [ ص ] . وكيف يتوهم أنه عرفه من يقول : إنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له ، ولا أمر لحكمة ، ولا نهى لحكمة ، وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة ، لا لحكمة ، ولا لغاية مقصودة ، وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده ؟